ابن العربي
79
أحكام القرآن
وإنما وجب التتابع في الشهر لكونه معيّنا ، وقد عدم التعيين في القضاء فجاز بكلّ حال . المسألة الثانية عشرة - قوله تعالى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يقتضى وجوب القضاء من غير تعيين لزمان ، وذلك لا ينافي التراخي ، فإنّ اللفظ مسترسل على الأزمنة لا يختصّ ببعضها دون بعض . وقد ثبت عن عائشة رضى اللّه عنها أنها قالت : إن كان ليكون « 1 » علىّ الصوم من رمضان « 2 » فما أستطيع قضاءه إلّا في شعبان للشغل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فكانت تصوم بصيامه ؛ إذ كان صومه صلى اللّه عليه وسلم أكثر ما كان في شعبان . المسألة الثالثة عشرة - قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ . وفي هذه الآيات قراءات وتأويلات واختلافات ، وهي بيضة العقر « 3 » . قرئ يطيقونه بكسر الطاء وإسكان الياء ، [ 44 ] وقرئ بفتح الطاء والياء وتشديدهما « 4 » ، وقرئ كذلك بتشديد الياء الثانية ، لكن الأولى مضمومة ، وقرئ يطوقونه « 5 » ، والقراءة هي القراءة الأولى ، وما وراءها - وإن روى وأسند - فهي شواذ ، والقراءة الشاذة لا ينبنى عليها حكم ؛ لأنه لم يثبت لها أصل ، وقد بينا ذلك في القسم الثاني من علوم القرآن بيانا شافيا . المسألة الرابعة عشرة - أن الآية منسوخة كذلك ، روى عن ابن عمر وسلمة ، وثبت ذلك عنهما . وتحقيق القول أنّ اللّه تعالى قال : من كان صحيحا مقيما لزمه الصوم ، ومن كان مسافرا أو مريضا فلا صوم عليه ، ومن كان صحيحا مقيما ولزمه الصوم ، وأراد تركه ، فعليه فدية طعام مسكين ، ثم نسخ اللّه تعالى ذلك بقوله « 6 » : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . مطلقا .
--> ( 1 ) في القرطبي : يكون على الصوم . ( 2 ) هنا في هامش م : مسألة في قضاء رمضان . ( 3 ) بيضة العقر : بيضة الديك ( القاموس ) . ( 4 ) في القرطبي : وروى ابن الأنباري عن ابن عباس يطيقونه - بفتح الياء وتشديد الطاء والياء مفتوحتين . بمعنى يطيقونه . ( 5 ) في القرطبي : وعن ابن عباس أيضا وعائشة وطاوس وعمرو بن دينار : يطوقونه - بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة ، وهي صواب اللغة . وليست من القرآن خلافا لمن أثبتها قرآنا ، وإنما هي على التفسير . ( 6 ) سورة البقرة ، آية 185